السيد محمد الصدر

321

تاريخ الغيبة الصغرى

المهدي ( ع ) ، وقد أشرنا إليه فيما سبق . وهو : أن النبي ( ص ) بعث في شعب خام غير ممحص الاخلاص قبل ذلك على الاطلاق ولا مر بأي تجربة لنشر العدل ولم يكن همه غير السلب والنهب من القبائل المجاورة . ومن ثم كان المندفعون إلى الجهاد بين يديه ( ص ) - فيما عدا النوادر - يمثلون الوهج العاطفي الايماني وهيمنة القيادة النبوية عليهم ، أكثر مما يمثلون استيعاب القضية الاسلامية من جميع أطرافها وخصائصها . فلم يكونوا في الأعم الأغلب ، ممحصين ولا واعين ، بالدرجة المطلوبة لغزو العالم كله . . . ولو كانوا على هذا المستوى لما بقي العالم إلى الآن يرزح تحت نير الاستعباد . ولكان النبي ( ص ) بنفسه هو المهدي الموعود . . . كما أشرنا إليه في التخطيط الإلهي . ومن ثم رأينا أن هيمنة القيادة النبوية ، حين انحسرت عن المجتمع ، بدأ الوهج العاطفي بالخمود التدريجي . وإن كان قد بقي له من الزخم الثوري ما يبقيه مائتي عام أخرى ، ينطلق من خلاله إلى منطقة ضخمة من العالم . إلا أن الفتح الاسلامي تحول تدريجيا إلى مكسب تجاري « 1 » ، وفشل عن التقدم في نهاية المطاف . وهذه النتائج المؤسفة ، يستحيل التوصل إليها - عادة - لو كان الجيش النبوي ممحصا وواعيا ، بحسب اتجاهات النفس البشرية وقوانين ترابط الأجيال . والسر في ذلك ما سبق أن عرفناه ، من أن البشرية عند نزول الاسلام ، كانت مهيئة للشرط الأول من شروط عالمية الدعوة الإلهية . . . دون الشرط الثاني ، وهو وجود العدد الكافي من ذوي الاخلاص الممحص . وأما المهدي ( ع ) فسوف يوجد اللّه تعالى هذا الشرط في أصحابه ، بعد أن تكون البشرية قد مرت بالظروف القاسية التي تشارك في إيجاد هذا الشرط الكبير . ومن ثم سوف يستطيع تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة على العالم بأسره . فإن قال قائل : يلزم من ذلك بأن أصحاب المهدي ( ع ) أفضل من أصحاب النبي ( ص ) . قلنا : نعم ، الأمر كذلك على الأعم الأغلب . ولا حرج في ذلك . فإن

--> ( 1 ) فصلنا القول في ذلك في تاريخ الغيبة الصغرى ص 94 وما بعدها